في يوم واحد، خرج من موقعين دستوريين أساسيين في الدولة توصيفان مختلفان للمسار التفاوضي مع إسرائيل، ما يضعه أمام سؤال يتجاوز تفاصيل الجولات ونتائجها. فمن أثينا، أكد رئيس الجمهورية جوزاف عون أن لبنان اختار الدبلوماسية لإنهاء حالة العداء، متمسكًا بتطبيق "اتفاق الإطار" كاملًا من الطرفين. وفي بيروت، حذّر رئيس مجلس النواب نبيه بري من التفاوض تحت النار، مجددًا رفض "الإطار" فيما تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية.
ليس الاختلاف هنا في قبول التفاوض أو رفضه فقط، ولا في تقييم سبع جولات لم تنتج حتى الآن الانسحاب الذي يطالب به لبنان. الأهم أن الكلام الصادر عن عون وبري يعكس رؤيتين مختلفتين لما ينبغي أن يسبق تقدم المفاوضات، وللسقف الذي يمكن أن تبلغه. فبين من يضع "إنهاء حالة العداء" في أفق الدبلوماسية، ومن يطالب أولًا بتنفيذ إسرائيلي يثبت جدوى المسار، تبدأ المسافة بين إدارة نتائج الحرب وبين البحث في شكل العلاقة التي تليها.
وهنا تبرز الإشكالية التي تتجاوز الموقفين نفسيهما. فالمفاوضات التي انطلقت لمعالجة الانسحاب وانتشار الجيش والترتيبات الأمنية وحصر السلاح قد تصل، مع تقدمها، إلى مسائل سياسية أوسع من المهمة التي بدأت منها. وإذا كان السؤال الأساسي المطروح اليوم يتمحور حول ما يمكن انتزاعه من إسرائيل، ثمّة سؤال أكبر يلوح في الأفق حول من يحدد داخل الدولة اللبنانية حدود التفويض ووجهة التفاوض.
فهل الهدف إنهاء الاحتلال والاعتداءات ضمن ترتيبات أمنية، أم فتح الطريق أمام صيغة جديدة للعلاقة مع إسرائيل، ومن يملك القرار عندما ينتقل المسار من الأول إلى الثاني؟
"اتفاق الإطار"
في الأصل، جاء "اتفاق الإطار" في 26 حزيران بعد الحرب ليضع مسارًا متدرجًا يقوم على انسحاب إسرائيلي يترافق مع انتشار الجيش اللبناني، وعلى آليات للتحقق ومعالجة الملفات الأمنية المرتبطة بالجنوب. ومنذ ذلك الحين تركزت الجولات على المناطق التي يمكن أن يبدأ منها الانسحاب، وعلى الانتقال من مرحلة تجريبية إلى أخرى أوسع. لذلك كان القياس اللبناني المباشر لنجاح المسار واضحًا: هل تنسحب إسرائيل، وهل يتمكن الجيش من الانتشار، وهل تتراجع الضربات والاحتلالات على الأرض؟
لكن هذا القياس لم ينتج حتى الآن ما يسمح بإقفال الجدل. فقد انتهت الجولة السابعة من دون اتفاق على توسيع مناطق الانسحاب، فيما بقيت العمليات الإسرائيلية مستمرة. وفي موازاة ذلك، تشير المعلومات إلى رسائل غربية وصلت إلى مسؤولين لبنانيين، مفادها أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لا يريد تقديم تنازل دبلوماسي أو ميداني قبل الانتخابات الإسرائيلية، وأن انفراجات أكبر قد تصبح ممكنة بعد اتضاح المشهد السياسي في تل أبيب. وبذلك يصبح لبنان مطالبًا بمواصلة المسار في وقت لا يملك فيه موعدًا واضحًا للحصول على المقابل الذي يطلبه.
من الانسحاب إلى "إنهاء العداء"
من هنا يمكن فهم اعتراض بري من زاوية تتجاوز رفض مبدأ التفاوض. فهو أعلن أنه لا يزال على موقفه الرافض لـ"اتفاق الإطار"، وربط ذلك أيضًا بتحذيره السابق من التفاوض المباشر مع إسرائيل تحت النار وفي غياب الإجماع الوطني، مستندًا إلى حصيلة الجولات السبع وما رافقها من استمرار الاحتلال والعمليات العسكرية. بذلك، لا يعترض بري فقط على نتائج المسار، وإنما على شروطه السياسية وطريقة الانتقال داخله من مرحلة إلى أخرى.
كما أن تمسكه ببقاء مرجعية دولية في الجنوب بعد انتهاء ولاية "اليونيفيل" يعكس رفضًا لتحويل الاتفاقات الثنائية أو الآلية التفاوضية وحدها إلى البديل عن المظلة الأممية. بهذا المعنى، يدور الخلاف أيضًا حول الضمانة: هل تكفي الوساطة الأميركية والإطار القائم لتنظيم المرحلة التالية، أم يحتاج لبنان إلى مرجعية دولية مستقلة عن ميزان القوة بينه وبين إسرائيل؟
في المقابل، تحمل عبارة عون عن "إنهاء حالة العداء" معنى أوسع من إدارة خطوط الانسحاب. فهي لا تعني تلقائيًا اتفاق سلام أو تطبيعًا، ولا تكفي وحدها للقول إن الدولة انتقلت إلى هذا المستوى، لكنها توسع أفق الهدف من وقف الأعمال العسكرية إلى البحث عن وضع مختلف ودائم بين دولتين بقيت علاقتهما محكومة بالصراع.
وهذا ما يجعل العبارة سياسية بقدر ما هي دبلوماسية، لأن أي انتقال من ترتيبات أمنية مؤقتة إلى صيغة تحدد شكل العلاقة المستقبلية يرفع مستوى القرار المطلوب داخليًا. فما يستطيع المفاوض بحثه ضمن آلية لتنفيذ انسحاب أو تثبيت انتشار الجيش ليس بالضرورة هو نفسه ما يستطيع الالتزام به عندما يتعلق الأمر بصيغة سياسية طويلة الأمد بين لبنان وإسرائيل.
ماذا يقول الدستور؟
الدستور يضع هنا حدودًا أكثر وضوحًا من السجال السياسي. فالمادة 52 تنص على أن رئيس الجمهورية يتولى المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، وأنها لا تصبح مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء، فيما تحتاج فئات من المعاهدات أيضًا إلى موافقة مجلس النواب. لذلك يملك رئيس الجمهورية موقعًا أساسيًا في إدارة التفاوض، لكن الوصول إلى اتفاق نهائي ذي طبيعة تعاهدية لا يبقى قرارًا رئاسيًا منفردًا، فالمسار ينتقل، بحسب مضمونه، من رئاسة الجمهورية إلى الحكومة، وقد يصل إلى البرلمان.
وهذه النقطة تفسر لماذا لا يمكن التعامل مع موقف بري باعتباره اعتراضًا من خارج المؤسسة التي ستعنيها النتيجة. فرئيس المجلس لا يدير المفاوضات وفق النص الدستوري، لكنه يترأس المؤسسة التي قد يصبح مرور الاتفاق بها لازمًا إذا وصل إلى صيغة لا يمكن فسخها سنة فسنة أو انطبقت عليها الحالات الأخرى التي يحددها الدستور. وفوق ذلك، يمثل موقفه ثقلًا سياسيًا لا يمكن تجاهله في ملف يتصل مباشرة بالجنوب وبـ"حزب الله" والسلاح، أي بأحد أكثر ملفات الداخل اللبناني حساسية بعد الحرب الأخيرة.
أين تنتهي المهمة؟
يزداد السؤال تعقيدًا لأن الخلاف لا يجري في فراغ سياسي. فالولايات المتحدة ترى في المسار التفاوضي وسيلة لإنتاج ترتيبات جديدة ومستقرة على الحدود، فيما تريد إسرائيل ربط انسحابها بخطوات لبنانية في ملف السلاح، ويصر لبنان رسميًا على تلازم الالتزامات. كل طرف، إذًا، يدخل إلى الإطار بتصور مختلف لما ينبغي أن يقدمه الطرف الآخر أولًا، بينما بدأ النقاش اللبناني نفسه ينتقل من كيفية التنفيذ إلى السؤال عن النهاية التي يفترض أن يقود إليها التنفيذ.
الخطر في هذا النوع من المسارات لا يكمن في وجود خلاف داخلي بحد ذاته، فالدول تفاوض غالبًا وسط تباينات سياسية، وإنما في أن يصل التفاوض إلى مرحلة تتطلب قرارًا أكبر فيما لم تُحسم داخليًا طبيعة هذا القرار. يستطيع الوفد اللبناني أن يناقش نقطة انسحاب وآلية تحقق وانتشارًا للجيش على أساس تكليف محدد، لكن كل خطوة تتجاوز ذلك إلى رسم وضع سياسي جديد مع إسرائيل ستحتاج إلى تعريف واضح لصلاحيات المفاوض، وإلى توافق حكومي، وربما نيابي، يسبق الالتزام ولا يلحق به.
تكشف مواقف 31 آب أن المسألة المقبلة لا تتعلق فقط بإقناع إسرائيل بالانسحاب أو بتنفيذ لبنان التزاماته. هناك سؤال لبناني يتكوّن داخل المسار نفسه حول النقطة التي تنتهي عندها المهمة التي بدأت بعد الحرب. وبين عون الذي يضع "إنهاء حالة العداء" في أفق الدبلوماسية، وبري الذي يجدد رفض "الإطار" والتفاوض تحت النار، يظهر تباين حول السقف الذي يمكن أن يبلغه لبنان من هذا المسار. وقبل أن ينتج التفاوض اتفاقًا جديدًا، سيكون على مؤسسات الدولة أن تحدد بدقة ما الذي تفاوض عليه، وما الذي لم تفوض أحدًا بالتفاوض عليه.




















































